أ.د. أحمد حسن فرحات
قسم الدراسات الإسلامية/كلية الآداب، جامعة الإمارات

نَحْوَ مَنْهَجِيَّةٍ مُوَحَّدَةٍ لِتَفْسِيرِ القُرْآن

 

 تمهيد:
من المعلوم أن هذه الأمة بدأت رحلتها الحضارية منذ أن تنزلت آيات القرآن على النبي r وهو يتحنث في غار حراء، حيث فاجأه الوحي بقوله : ] اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق. اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم . علم الإنسان ما لم يعلم [ وانطلقت القافلة على حُداء الوحي تُنقل خطاها في طريقها الطويل، المليء بالأشواك والصعاب، مسترشدة بالهدي الإلهي، ومستمدة قوتها من كلمات الله التي تحيي موات القلوب وتبعث الحياة والأمل في النفوس.
ولم يمض على هذه الأمة كبيرة وقت، حتى غدت على الجادة، ملتزمة بالتي هي أقوم في كل شؤون حياتها، فمكن الله لها في الأرض، وآتاها من الأسباب ما جعلها أمة شاهدة على الناس، تحمل الخير، وتشيع الهدى، وتفتح القلوب المقفلة، وتضع عن الناس الآصار والأغلال ، وسارت بدعوة الله مشرقة ومغربة، فطَوي لها الزمان والمكان، فأصبحت في أقل من مائة عام تشرق شمسها على الصين شرقا وعلى جنوب فرنسا غربا.
غير أن الأمة لم تبق في هذا الخط الصاعد دائما وأبدا، فقد وقعت في مسيرتها أخطاء، وتعرضت من أعدائها الحروب ونكبات، مما أفقدها توازنها، وجعل حياتها بين مد وجزر، فمرة تنهض وأخرى تتعثر، واستمر الأمر على هذا فترة طويلة من الزمان.. وعلى الرغم من كل ذلك بقيت الأمة محتفظة بهويتها، غير متنكرة لرسالتها إلى أن تم القضاء على الدولة العثمانية آخر حلقة في سلسلة الخلافة الإسلامية.
ثم جاء الاستعمار الغربي، فأناخ بثقله على صدر هذه الأمة، وأخذ يعمل في تقطيع أوصالها، وتبديد ثرواتها، وتغيير قيمها، وتوجيهها بعيدا عن عقيدتها وتاريخها، فطرح لها بديلا عن الإسلام، وأوهمها أن تقدمها ونهضتها مرهونا بقيمه وتقاليده، وأنشأ لذلك المدارس والجامعات، وأخرج مجموعة من النخب التي رباها على عينه وأشربها من معين ثقافته، فجعلها حاكمة على الناس تسير في إطار ما خطط لها، بعيدة عن الإسلام وقيمه، مما جعل الانتماء إلى الإسلام موضع نظر ، ومثار جدل. وهكذا نشأت المذاهب والأفكار المغايرة للإسلام وأصبحت الأمة أشبه بالطائرة المخطوفة يتحكم بها خاطفوها ويسيرون بها في الاتجاه الذي يرغبون غير عابئين بوجهة الركاب الأصلية، وغير مبالين بما يصيـبهم من أهوال وأخطار.
وإذا وصل الأمر إلى ما وصل إليه من هذا التردي والانحطاط، فكيف يمكن لهذه الأمة أن تنهض من جديد؟ وما هي الطريق التي ينبغي أن تسلكها؟ وما هي الخطوات التي لا بد منها للإقلاع نحو الهدف المنشود؟.. هذا ما نحاول الإسهام في الإجابة عليه في الصفحات القادمة بإذن الله.
 - الأمة والقرآن:
لقد بدأت هذه الأمة مسيرتها نحو مشرق الشمس يوم أن هبط جبريل الأمين على قلب محمد r وهو يتحنث في غار حراء، وكانت كلمة ] اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم [ هي الإكسير الذي بدأ يفعل فعله في حياة النبي r ، ثم في حياة من استجاب لدعوته من أمته، وانتقلت هذه الأمة بتأثير القرآن وقوته الفاعلة من الجاهلية إلى الإسلام فكانت أول أمة تولد من خلال نصوص كتاب، وتنبثق من بين حروفه وكلماته، وتقوم على إيحاءاته وتوجيهاته، ثم تخرج به إلى الناس وحيا إلهيا يحرك القلوب، ويهز النفوس، ويعيد صياغة الحياة وصناعة التاريخ.
ولقد كان النبي r حريصا على هذه الطاقة الهائلة أن تتبدد ، أو يقل تأثيرها في نفوس أصحابه، فقصرهم على الاستمداد منها، والاستقاء من معينها، ونهاهم عن الالتفات إلى غيرها والتطلع إلى سواها، ومن ثم فقد اشتد غضبه حينما رأى صحيفة من التوراة في يد عمر  y وقال : " لو كان موسى حيا ما وسعه إلا أن يتبعني"، بل إنه نهى أصحابه  r أن يكتبوا عنه شيئا غير القرآن وقال : ( من كتب عني شيئا غير القرآن فليمحه) كل ذلك إدراكا منه r لقوة كلمة الوحي التي يمحو الله بها ما يشاء ويثبت.. وحفظا لها من أن يشاركها ما يقلل من تأثيرها أو يضعفها في مرحلة الانطلاق الأولى.
ولقد كان العرب في عصر نزول القرآن في مستوى يمكنهم من التفاعل مع النص القرآني، والاستجابة لإيحاءاته، والتأثر ببلاغته وسحر بيانه، ولم يكن هناك ما يحول بينهم وبين ذلك، فقد كانوا يفهمون معانيه، ويتذوقون حلاوته، ويعرفون أساليبه، فعكفوا على قراءته ودراسته وأمعنوا في تدبر آياته واستكشاف أسراره، فغاصوا في أعماقه باحثين عن درره، مستنبطين لأحكامه، مستلهمين لتوجيهاته، فوجدوا فيه حلا لمشكلاتهم، وشفاء لما في صدورهم، ونورا لأبصارهم وبصائرهم، وهداية في كل شأن من شؤون حياتهم.
ثم بدأ هذا المستوى السامق يتدنى شيئا فشيئا بفعل اختلاط العرب بغيرهم، وبدخول الأمم والشعوب في دين الله أفواجا، فتطرق الضعف إلى اللغة، وفشا اللحن في اللسان، وظهرت الحاجة إلى ضبط القراءة، وإلى ضبط الفهم، والاستنباط، فنشأت لذلك علوم العربية، من نحو، وصرف، وبلاغة. ونشأت علوم القرآن من رسم، وقراءات، وتفسير، كما نشأت العلوم الشرعية الأخرى من حديث ، وفقه، وأصول. إلى غير ذلك من علوم العربية وعلوم الشريعة والتي تهدف كلها إلى خدمة القرآن الكريم وتمكين المسلم من أن يرتع بمستواه للتعامل مع القرآن، والتفاعل معه، والتأثر به، وليكون قادرا على فهم معانيه واستنباط أحكامه، واستلهام توجيهاته.. كما كان الشأن في جيل الصحابة رضوان الله عليهم.
وسارت الأمور في هذا الاتجاه الصحيح فترة من الزمن، وكانت كل تلك العلوم في خدمة القرآن الكريم والمساعدة على فهمه. ثم بدأت هذا العلوم مع الزمن تتسع شيئا فشيئا، وتنحو منحى الاستقلال، وأصبح في كل علم من العلوم ما لا يحصى من الكتب والمؤلفات، وغدت الثروة العلمية والفقهية التي خلفها لنا علماؤنا ينوء بها العصبة أولو القوة وتفنى الأعمار دون الإحاطة بها، وإدراكها، وتمثلها، على الرغم من أنها تتفاوت صحة وضعفا، وخطأ  وشذوذا، وبعدا عن الجادة واستقامة عليها، ومع تطاول الزمن، واتساع العلوم، وتنامي استقلاليتها وتخصصها، أصبحت هذه العلوم محور الدراسة، وموضع الاهتمام، فبعد أن كانت وسيلة مساعدة على فهم القرآن غدت غاية بحد ذاتها، ومن ثم انصرف إليها الدارسون وطلبة العلم يولونها كل اهتمامهم، ويوجهون إليها معظم نشاطهم، وينفقون في سبيلها جل أوقاتهم وأعمارهم، ولم يعد الاهتمام بالقرآن والسنة في المقام الأول وإنما أصبح في المقام الثاني، ومن ثم ضعفت الصلة بالقرآن والسنة، ولم يعد لهما ذلك الأثر الفعال في تغيير السلوك الذي عرفناه في الأجيال السابقة، فتوقف العقل المسلم عن النشاط، وفقد كثيرا من فاعليته التي أفاضها عليه القرآن نتيجة تفاعله معه، وظهر من ينادي بإغلاق باب الاجتهاد نتيجة العجز العقلي الذي ألقى بظلاله على المجتمع الإسلامي.
ثم في مرحلة من مراحل تاريخ هذه الأمة يغدو القرآن في واقع بعض المنتسبين للعلم وسيلة يستعان بها على إيضاح بعض العلوم التي كانت وسيلة لإيضاحه فكأن مهمته تقصر على تقديم شواهد لتوضيح القواعد النحوية والبلاغية وغيرها من العلوم الأخرى، ولو طلب إلى من يقرر هذه القواعد البلاغية أو النحوية أن يعرفنا بمعنى الآية التي يستشهد بها للاستدلال على قاعدته لوقف أمامنا فاغرا فاه متعجبا ولألفيناه يقول بأن اختصاصه إنما هو النحو أو البلاغة، وأنه لا يعرف من الآية إلا موضع الشاهد. وهكذا يغدو القـرآن – في نظر أمثال هؤلاء – مجموعة من الشواهد التي يستخدمها علماء هذا الزمان لتوضيح قواعدهم.
ومثل هذا الذي قيل في شأن علوم العربية يمكن أن يقال في بعض العلوم الشرعية، كعلم الكلام " علم التوحيد" الذي تأثر بمنطق أرسطو وفلسفة يونان، وتحول إلى مدارس فكرية واتجاهات مذهبية، تنحو مناحي مختلفة وتتخذ طرائق قددا، فغدت كل فرقة تبحث في القرآن عن شاهد يؤيد وجهة نظرها ويشهد لقولها ومذهبها، وبذلك وقعت الأمة في داء الفرقة والاختلاف وكل يريد أن يقول بأن ما ذهب إليه هو الذي جاء به القرآن.
أما ما انتهى إليه الأمر في شأن هذه العلوم فقد تجاوز ذلك كله، حيث أصبحت كثير من هذه العلوم بدائل للقرآن تدرس في غيابه وفي منأى عنه، ظنا منهم أن كل العلوم التي حواها القرآن قد استخرجت منه وأفردت بالتأليف بكتب مستقلة، ومن ثم لم يعد في القرآن إلا نصوص تتلى بقصد البركة والثواب الأخروي.
إن ما آلت إليه الأمور من انحطاط في العقل، وجمود في الفهم، وعكوف على كتب المتأخرين حفظا وتسميعا واختصارا وتلخيصا، أو شرحا وتحشية، أو صياغة عل طريقة النظم، أو غير ذلك مما شغل به الناس أنفسهم في العصور المتأخرة لن يحل مشكلة، ولن يبعث نهضة، ولا يمكن أن يكون سبيلا لاستنقاذ أمة ولا باعثا على استئناف حياة جديدة.
إن الحياة لا يمكن أن تدب في هذه الأمة إلا بوحي الله ] وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان [ ولا يمكن أن تكون إلا في الاستجابة لهذا الوحي ] يا أيها الذين آمنوا استجيبوا الله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم [ فكلمات الله ووحيه هما القادران على بعث الحياة من جديد في هذه الأمة، وهما القادران على إمدادها بما تحتاجه من القوة والطاقة.
إن نصوص القرآن الكريم غنية بالمعاني التي لا تحد، والتوجيهات التي لا تنفد، والأحكام التي تلبي حاجة الأمة إلى يوم القيامة، ومن ثم فلا بد من العودة إليها ودراستها في سياقها واستلهامها في حل مشكلاتنا، ومعالجة قضايانا، وبدون ذلك لا يمكننا أن نفهم حكمة الأمر الإلهي بكثرة قراءة القرآن، وتدبر معانيه والتفكر في آياته، واستخلاص عبره وعظاته، وليس من حقنا أبدا أن ننهي مهمة القرآن ووظيفته الأساسية بقصره على مجرد التلاوة واحتساب الثواب على ذلك عند الله. ثم الاستغناء عنه بما كتبه الناس، واستبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير.
إن ما كتبه العلماء واستنبطه الفقهاء يعتبر ثروة كبرى لهذه الأمة في مجال العلم والمعرفة لا يمكننا أن نفرط فيها أو نتجاهلها، ولكننا في نفس الوقت لا يمكننا أن نعتبرها بديلة للقرآن أو مغنية عنه كما لا يمكننا أن نعتبرها الكلمة الأخيرة التي ليس بعدها مقال، وإنما ينبغي دراستها في ضوء النصوص القرآنية والحديثية، وليس بمنأىً عنها، وهذه الدراسة في ضوء النصوص كفيلة بتوسيع دائرة الرؤية، وتوضيح كثير من الجوانب التي لا يمكن أن تتضح في غيبة النصوص، مما يؤدي إلى ترجيح بعض الأقوال على بعض، أو ظهور فهم جديد نتيجة لمراعاة سياق الكلام، أو لمراعاة مجموع النصوص الواردة في القضية أو غير ذلك من المقتضيات التي تحكم الفهم  والاستنباط.
ثم إن هناك جوانب كثيرة مما عرض له القرآن لا تزال بكرا تحتاج إلى بحث ودرس، وذلك فيما يتصل بالدراسات النفسية والإنسانية والتي لم تأخذ حظها الكافي من البحث والدرس في تراثنا الثقافي والعلمي، وما مس منها مس مسا رفيقا، وما يزال بحاجة إلى مزيد من البحث والنظر، وبخاصة في ضوء الدراسات الحديثة التي توسعت كثيرا في هذه الجوانب، وأصبحت لها علوم مستقلة، ودراسات مستفيضة.
إن على الباحثين الإسلاميين أن يأخذوا هذا كله بعين الاعتبار، وأن تكون اجتهاداتهم في ضوء النصوص، وألا يكتفوا من النص بالجزء الظاهر الدلالة على الغرض، وإنما عليهم أن يوسعوا نظرهم في سياق الكلام وسباقه، وأن يتعرفوا على مناسبته التي نزل بها، ويراعوا مقاصده وحكمه، ويضموا إليه أشباهه ونظائره، إلى غير ذلك من الأمور التي لا بد من مراعاتها لمن أراد أن يجانب الخطأ ويقارب الصواب، هذا بالإضافة إلى ما سبق أن أشرنا إليه من ضرورة الاطلاع على كتب التراث، والتعرف على ما قاله الأئمة العلماء والمجتهدون السابقون، وتفهم وجهة نظرهم وطريقة استنباطهم، فإنهم القدوة لنا في أصول الفهم ومناهج الاستدلال، وإن اختلفنا معهم في الاستنتاجات والمسائل، كما اختلفوا هم فيما بينهم.
 - القرآن والعلوم الشرعية:
من المعلوم أن العلوم الشرعية وثيقة الصلة بالقرآن، وأنها تهدف إلى خدمته وتوضيحه. ولكن لا بد لنا من أن نبين كيف نشأت هذه العلوم، وما لابس هذه النشأة من أمور أدت إلى نوع من الخلل والقصور في بناء هذه العلوم، وخير من تعرض لمعالجة هذا الموضوع العلامة عبد الحميد الفراهي، ونحن مضطرون – هنا- إلى بيان وجهة نظره، وفي ذلك يقول : لا يخفى أن الدين معظمه ترقية النفوس وتربية العقول وإصلاح الأعمال الظاهرة ، أي : الأخلاق والعقائد والشرائع.
والقرآن قد تكفل بكل ذلك على أحسن ما يكون، وكل ذلك متصل بعضه ببعض وبجميعه تحصل التزكية وهي الغاية والمطلوب.
ولهذه الثلاث نشأت ثلاثة علوم: علم الأخلاق والمواعظ/ وعلم الكلام / وعلم الفقه.
ولما كان القرآن مصدر هذه العلوم، كان لا بد لأصول تأويله أن تكون شاملة لكل هذه العلوم، ولكن ما حدث هو أن جعل علم التأويل مقصورا على الفقه وهو ما عرف بعلم " أصول الفقه" ومن ثم أصبح علم الأخلاق وعلم الكلام بعيدين عنه فلا نجده مستعملا فيهما.
أما علم الأخلاق فاتسع بأهله حتى تشبثوا بكل ما راقهم وأعجبهم، فمنهم من بناه على الحكمة العملية التي تلقوها من الفلاسفة، ومنهم من اعتمد على تجاربه، ومنهم من بناه على الروايات الضعيفة، وربما أخذوا من القرآن حسب تأويلاتهم الركيكة، وذلك لظنهم بأنه لا حاجة إلى صحة الاستدلال في الترغيب والترهيب، ومدح الحسن، وذم القبيح.
ومنهم طائفة من المتصوفة تكلموا في العقائد يؤولون القرآن إلى ظنونهم لجهلهم بالعربية وبحقيقة هذا الدين، ويزعمون أنهم أعرف بالقرآن وأسراره، وتجد أمثلة ذلك في كلام ابن عربي.
وأما علم الكلام فأصحابه لاشتغالهم بالملاحدة قل اعتمادهم على النقل، وكان معظم احتجاجهم بما تجنح إليه العقول لكي يسلم لهم الخصم، وربما يؤولون القرآن إلى غير مراده فرارا من اعتراضات المعاند، إذ لم يهتدوا لصحيح التأويل وتوفيق المعقول بالمنقول فجعلوا للتأويل – لا نقول أبوابا بل ثلما – يخرجون منه حين لا يمكنهم الدفاع على وجه مستقيم.
حتى قال بعضهم – كالرازي عفا الله عنه -: إنه لا اعتماد على ظاهر القرآن لعله يكون من المتشابهات.
فجعل القرآن كله ملتبسا، ولم يكن ذلك إلا لعدم تأسيس أصول التأويل العامة التي يعتمد عليها في كل ما يستنبط من القرآن سواء كان من فروع الشرائع أو الأخلاق والعقائد.
فإن جعلت القرآن أصلا لتمام علم الدين – كما هو في الحقيقة – صار من الواجب أن يؤسس أصولا للتأويل بحيث تكون علما عاما لكل ما يؤخذ من القرآن" .

 - القرآن وعلوم اللسان:
وكما كانت للفراهي نظراته النقدية في بناء العلوم الشرعية، كذلك كانت له نظراته في علوم اللسان، وفي ذلك يقول : "كما أن الله تعالى وعد بحفظ متن القرآن حيث قال: ] إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون [ فكذلك وعد ببيانه حيث قال : ] ثم إن علينا بيانه [ ومن بعض إنجاز وعده حفظ اللسان العربي من الاندراس والمحو وجعله حيا باقيا. وكذلك حفظ الاصطلاحات الشرعية كـ " الصلاة" و " الزكاة" و " الجهاد" و"الصوم" و " الحج" و " المسجد الحرام" و " الصفا" و " المروة" و " مناسك الحج" وأمثالها، وما يتعلق بها من الأعمال المتواترة المأثورة من السلف إلى الخلف والاختلاف في اليسير فيها لا اعتبار له.
فإذا نظرت إلى ألفاظ مصطلحة في الشرع، ولا تجد حدها وتصويرها في القرآن، فلا تجمد على أخبار الآحاد فتسقط في الريب. بل اقنع بالقدر الذي اجتمعت عليه الأمة، ولا تؤاخذ إخوانك فيما ليس فيه نص صريح ، ولا عمل مأثور، من غير خلاف، فهذا هو السبيل الوسيع والمعنى الواضح من القرآن في اصطلاحاته الشرعية.
فأما في سائر الألفاظ وأساليب حقيقتها ومجازها فالأصل فيه كلام العرب قديم، والقرآن نفسه.
وأما كتب اللغة فمقصرة، فإنها كثيرة ما لا تأتي بحد تام ولا تميز بين العربي القح والمولد ولا تهديك إلى جرثومة المعنى، فلا يدري ما الأصل وما الفرع؟ وما الحقيقة والمجاز؟
فمن لم يتمرس بكلام العرب واقتصر على كتب اللغة، ربما لم يهتد لفهم بعض البعض المعاني من كتاب الله.
وأما باقي علوم اللسان كالنحو والمنطق والأصول والبيان والبلاغة والقافية، فالكتب المدونة فيها – مع كثرة فوائدها – أشد تقصيرا من كتب اللغة لفهم القرآن .
أما النحو فيحتاج إلى زيادات، بل ليس  من شأنه إلا تأسيس أصول كلام وسيط بين السقط والرفيع، فلا ينبغي للمفسر أن يبالغ في تطبيق كلام الله على أصول النحو. فيرممه ويؤوله فيظن الظان أنه جائر عن قصد السبيل. بل عليه أن يأتي بشهادة من أشعار العرب ليعلم الجاحد انه لهو الأسلوب الأعلى "- وقد ذكر الفراهي بعضا من هذه الإضافات في كتابه " أساليب القرآن ".
وأما المنطق فمداره التدقيق في استعمال ألفاظ التحليل والنفي والاستثناء وسوق الدليل.
وأما علم البيان فحاله كحال النحو لا يتصدى لكلام يتفجر من صدوع القلب الحي، وما أبعده مما يتصبب من سماء الوحي، فترى صاحب الوحي – بل كل داع إلى الحق- ينفث ما في قلبه كيف ما دعته الحالات، فطورا يأتي بالمجاز، وطورا بالحقيقة، ولا يراعي إلا فهم المخاطبين والعادة الجارية في لسانه. فيفهمه المخاطب، ولكن الذي يجمد على علم البيان فإنه يدب كالنمل، ويخبط كالأعمى، ومن رأى الزبور وكتب الأنبياء السابقة علم أن المجاز له مجال وسيع في الوحي".
- وقد وضح الفراهي كثيرا مما أراده في علم البيان في كتاب الذي خصصه لذلك وهو " جمهرة البلاغة"-.
وأما الأصول: فلا نجحد فضل من أسس هذا الفن، فإنهم لم يأخذوه من اليونان ولا من الهند، ولا من غيرهما، بل دعت الحاجة إلى وضع أصول لاستنباط الأحكام من الكتاب والسنة فهم قدوة في هذا الفن الشريف، ولكن الخلف لم يهتدوا إلى تهذيبه وإصلاحه، فبقي هذا الفن واهي القوى ضعيف الأركان، ولما يبلغ مبلغا يستحق به اسم الفن، فترى فيه اختلافا كثيرا ينجر إلى اختلاف الأحكام ، وليس الأمر كذلك في النحو والمنطق وغيرهما من الفنون.
وأما البلاغة فاستخرجوها من أشعار العرب، والأشعار لضيق مجالها كانت مقتصرة على جودة السبك، ورشاقة اللفظ والبديع، أما حسن الاستدلال ورباط المعاني وضرب الأمثال، والاعتبار من القصص، وجر الكلام ثم العودة إلى عموده، والوعد والزجر والتأكيد بشدة يقين المتكلم، والإعراض إعراض الترفع، والحسرة حسرة المعلم الناصح، وغير ذلك مما تجده في خطب البلغاء ووحي الأنبياء، فلم يذكروه في علم البلاغة" .
- لسان القرآن:
" الكتب المتعلقة بلسان القرآن من حيث دلالته على معانيه ثلاثة:
كتاب " المفردات" و  كتاب " الأساليب" و كتاب " أصول التأويل".
ففي كتاب المفردات يبحث عن الألفاظ المفردة، ويكشف عن معانيها الخاصة، بحيث تتضح لها الحدود واللوازم، وما يتصل بها وما يفترق عنها، وما يشابهها وما يضادها فيحيط العلم بدلالة الألفاظ المفردة.
وفي كتاب الأساليب يبحث عن دلالة التراكيب المختلفة الوجوه التي تدل عليها الأساليب المتنوعة ، فيحيط العلم بما يدل عليه الكلام من المعاني حتى يحفظ عما لا دلالة عليه.
وفي كتاب أصول التأويل يبين ما يؤخذ من المعاني المختلفة وما لا يؤخذ، وما يمكن بينها الجمع.
ثم بعد ذلك يستوي السبيل إلى فهم رباط معاني القرآن من القرآن" .
 - علم الحديث والقرآن:
ويرى الفراهي أن السبيل السوي إنما يكون بتعلم الهدي من القرآن، وأن تبني عليه دينك، ثم بعد ذلك تنظر في الأحاديث: فإن وجدت ما كان شاردا عن القرآن – حسب بادي النظر أولته إلى كلام الله، فإن تطابقا قرت عيناك، وإن أعياك توقف في أمر الحديث واعمل بالقرآن وقد أمرنا أولا بإطاعة الله ثم بإطاعة رسوله، ولا شك أن الأمرين واحد، فإن لم يرد الله أن نقدم كلامه على ما روي عن رسوله فماذا إذن أراد بهذا الحكم .


- التكميل في أصول التأويل للفراهي 3-4.

- فاتحة نظام القرآن للفراهي : 12-14.

- مفردات القرآن للفراهي :1.

- التكميل في أصول التأويل : 65-66.

 
  تـــابع قراءة المقال